منذ أن أحدثت أدوية أوزمبيك ومونجارو تحولًا في طريقة تعامل العالم مع السمنة وفقدان الوزن، برز اسم جديد يلفت الأنظار بقوة في عالم الطب والصحة: الببتيدات (Peptides). وبين من يصفها بأنها الخطوة التالية في مسيرة الطب الوقائي والتجديدي، ومن يرى أن الضجة المحيطة بها تتجاوز ما تدعمه الأدلة العلمية، تتزايد التساؤلات حول حقيقتها، واستخداماتها، وفعاليتها.
الببتيدات بين الحقيقة والمبالغة
مع تصاعد الاهتمام بالصحة الشخصية، وعلاجات طول العمر، وتحسين جودة الحياة، أصبحت الببتيدات محور اهتمام المرضى والأطباء وعيادات الصحة والعافية على حد سواء. لكن هل تمثل بالفعل مستقبل الطب، أم أنها مجرد اتجاه جديد سبقته الحملات التسويقية؟
لمعرفة أبرز الحقائق العلمية حول الببتيدات، والفرق بينها وبين أدوية GLP-1، وأهم استخداماتها، والمفاهيم الخاطئة المرتبطة بها، والمخاطر المحتملة لاستخدامها بعيدًا عن الإشراف الطبي، إضافة إلى رؤيته لمستقبل الطب الشخصي وعلاجات طول العمر في المنطقة، يكشف لنا د. جهاد مصري أخصائي الجراحة العامة ومؤسس Yugen Care في دبي، التفاصيل في هذا التحقيق.
هل الببتيدات تعد التوجّه الصحي القادم بعد أوزمبيك ومونجارو، أم أنها تحظى بضجة إعلامية أكبر من حجمها؟
يقول د. جهاد مصري: أرى أن الببتيدات تمثل بالفعل أحد أبرز التوجهات القادمة في قطاع الصحة والعافية، إلا أن الضجة الإعلامية المحيطة بها تتجاوز في بعض الأحيان حجم الأدلة العلمية المتوفرة حاليًا.
فالببتيدات ليست فئة علاجية وهمية، بل تستند إلى أسس علمية حقيقية؛ لكن ما نشهده اليوم هو أن التسويق في قطاع الصحة والعافية سبق العلم في كثير من التطبيقات التي يتم الترويج لها. ومن وجهة نظري، فإن الإنجازات الحقيقية خلال السنوات المقبلة ستأتي من الأدوية المعتمدة القائمة على الببتيدات، وليس من المنتجات أو ما يُعرف بـ"الببتيدات البحثية" التي تُقدم في بعض عيادات الصحة والعافية.
أوزمبيك ومونجارو أدوية وصفية قائمة على الببتيدات
أما عن الفرق بين أدوية GLP-1 مثل أوزمبيك ومونجارو، والعلاجات المعتمدة على الببتيدات المستخدمة في الطب التجديدي أو تحسين الصحة وطول العمر، يضيف د. مصري: يُعد كل من أوزمبيك ومونجارو دواءً وصفيًا قائمًا على الببتيدات، وقد أثبتتا فعاليتهما من خلال دراسات سريرية قوية في علاج السكري والمساعدة على فقدان الوزن.
أما معظم الببتيدات المستخدمة في مجالات الطب التجديدي، أو دعم التعافي، أو تحسين عملية الأيض، أو تعزيز الشيخوخة الصحية، فما تزال تُستخدم ضمن إطار علاجات الصحة والعافية ذات الطابع التجريبي. ورغم أن بعضها قد يسهم في تحسين عملية الأيض، وتسريع التئام الأنسجة، ودعم الصحة مع التقدم في العمر، إلا أن الأدلة العلمية التي تدعم هذه الاستخدامات لا تزال أقل قوة، كما أنها تخضع لرقابة تنظيمية أقل مقارنة بالأدوية المعتمدة.
دور الببتيدات أوسع بكثير من كونها وسيلة لإنقاص الوزن
وعن اعتبار الببتيدات مجرد وسيلة سريعة لإنقاص الوزن يؤكد: نعم، فالكثيرون ينظرون إلى الببتيدات على أنها مجرد وسيلة لفقدان الوزن، إلا أنها دورها الحقيقي أوسع بكثير.
فهناك أنواع تستهدف تنظيم الشهية وتحسين عملية الأيض، في حين تتم دراسة أنواع أخرى لدورها المحتمل في دعم التعافي، والحفاظ على الكتلة العضلية، وتقليل الالتهابات، وتحسين التوازن الهرموني، وإصلاح الأنسجة، وتعزيز الشيخوخة الصحية.
لكن المشكلة تكمن في أن وسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما تُسوّق جميع الببتيدات على أنها "حقن سحرية لحرق الدهون"، لكنَّ الحقيقة هي أن كل نوع منها يختلف عن الآخر من حيث آلية عمله، واستخداماته، ومستوى الأدلة العلمية التي تدعم فعاليته.
ويضيف: قبل عام، كان معظم الأشخاص الذين يستفسرون عن العلاج بالببتيدات يبحثون عنها بهدف فقدان الوزن أو بناء العضلات، أما اليوم، فقد أصبح الاهتمام أكثر تنوعًا، ليشمل المهنيين، والتنفيذيين، والنساء في منتصف العمر، والمهتمين بتحسين الأداء الحيوي (Biohackers)، والأشخاص الذين يركزون على اللياقة البدنية، إضافة إلى من يبحثون عن تحسين الطاقة، وجودة النوم، والصحة الأيضية، وتسريع التعافي، وتعزيز الصحة مع التقدم في العمر.
تعرف على المفاهيم الخاطئة حول الببتيدات
عن أبرز المفاهيم الخاطئة التي يحملها المرضى حول الببتيدات، وسهولة الحصول عليها عبر الإنترنت دون اشراف طبي، يقول: الكثير من الببتيدات التي تُباع عبر الإنترنت تُسوّق على أنها "منتجات بحثية" غير خاضعة للرقابة، ما يعني أن درجة نقائها، وتركيزها، وسلامتها قد تكون غير معروفة. وفي كثير من الحالات، لا يدرك الشخص فعليًا ما يحقنه.
كما أن استخدامها دون إشراف طبي قد يزيد من احتمالية التعرض لآثار جانبية، أو تلوث المنتج، أو اضطرابات هرمونية، أو تفاعلات مع أمراض صحية كامنة، وهو ما يجعل الإشراف الطبي أمرًا ضروريًا.
المؤشرات التي ينبغي أخذها بالاعتبار فيما يتعلق بالببتيدات
حول المؤشرات التي ينبغي أخذها بالاعتبار فيما يتعلق بالببتيدات أو علاجات طول العمر يقول: هناك مجموعة من المؤشرات التي تستدعي الحذر، من أبرزها:
- تقديم وعود بنتائج "سحرية" أو مضمونة.
- الادعاء بإمكانية فقدان الوزن، أو عكس مظاهر الشيخوخة، أو زيادة الكتلة العضلية بسرعة دون تقييم طبي دقيق.
- عدم إجراء الفحوصات المخبرية أو المتابعة الطبية المستمرة.
- تقديم مجموعة كبيرة من الببتيدات باعتبارها حلولًا تناسب جميع الأشخاص.
- التركيز المفرط على التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع غياب النقاش العلمي.
- عدم الشفافية فيما يتعلق بمصدر المنتجات أو وضعها التنظيمي واعتمادها.
- تشجيع المرضى على استخدام الحقن لفترات طويلة دون وجود مبررات طبية واضحة.
أما العيادات الموثوقة، تركز على الأدلة العلمية، وسلامة المريض، ووضع توقعات واقعية، وتقديم خطة علاجية مصممة وفق احتياجات كل مريض، بعيدًا عن المبالغات التسويقية.
وعن مخاطر التعامل مع مفهوم طول العمر باعتباره مجرد موضة، يقول: تكمن الخطورة في أن يصبح هذا المجال مدفوعًا بغير العلم.
فقد ينفق المرضى مبالغ كبيرة على علاجات لم تثبت فعاليتها، أو يؤخرون الحصول على الرعاية الطبية المناسبة، أو يستخدمون علاجات دون إدراك كامل للمخاطر طويلة المدى.
فالطب الحقيقي المتخصص في تعزيز طول العمر ينبغي أن يعتمد على الوقاية المبنية على الأدلة، وتحسين الصحة الأيضية، وصحة القلب والأوعية الدموية، والنوم، والتغذية، والنشاط البدني، والمتابعة الطبية الدقيقة، وليس فقط على الحقن الرائجة أو الأساليب التي تهدف إلى تحسين أداء الجسم والدماغ بطرق غير مثبتة علميًا.
ينبغي الاعتماد على المناهج العلمية وليس الاتجاهات الرائجة
وفي الختام يقول د. جهاد مصري: أهم ما أود التأكيد عليه هو أن تبقى الصحة والعافية مجالًا يقوده العلم، لا الاتجاهات الرائجة. فالببتيدات، والطب التجديدي، وعلاجات طول العمر تمثل مجالات واعدة وتحمل إمكانات حقيقية، إلا أن الصحة المستدامة لا تزال تبدأ من الأساسيات، وهي التغذية المتوازنة، والنشاط البدني، والنوم الجيد، وإدارة التوتر، والحصول على رعاية طبية سليمة.
إن مستقبل الطب يتجه بالفعل نحو الرعاية الصحية الشخصية والوقاية المبكرة، وهو تطور إيجابي للغاية، شريطة أن يستند إلى الأدلة العلمية، وأن يُمارس بمسؤولية، بعيدًا عن المبالغات أو الوعود غير الواقعية.



