يملك الشاي الأخضر فوائد صحية عديدة، لعل من أبرزها أنه يخفض من مخاطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية، ويحافظ على صحة الجلد، ويعزز فقدان الوزن، ويقلل من الإصابة بالخرف، ويقي من السرطان، ويزيد من حساسية الإنسولين، ويساعد في علاج مرض السكري النوع الثاني، ويحمي الأسنان من خطر التسوس، وهو غني بمضادات الأكسدة التي تبطل عمل الشوارد الحرة التي تقف وراء العديد من الأمراض المرتبطة والشيخوخة.
إذا كنت من عشاق الشاي الأخضر فثابر على شربه، وإذا لم تكن من عشاقه، فمن الحكمة أن تضيفه إلى روتين حياتك اليومية، لسبب وجيه جداً، وهو أن دراسة يابانية حديثة حملت معها خبراً ساراً مفاده أن الشاي الأخضر يقلل من خطر تلف المادة البيضاء في الدماغ لدى كبار السن. دعونا ننظر معاً إلى النتائج المدهشة لهذه الدراسة، لنعرف كيف يمكن لمشروب بسيط أن يحافظ على صحة دماغنا وعلى قدراتنا الإدراكية.
لمحة عن المادة البيضاء في الدماغ
لفهم تأثير الشاي الأخضر على الدماغ لا بد من إلقاء نظرة خاطفة على المادة البيضاء. يتألف الدماغ من مادتين هما المادة الرمادية والمادة البيضاء، وتوجد الأولى على سطح الدماغ ولهذا تسمى بالقشرة، أما المادة البيضاء فتوجد في الأنسجة العميقة للدماغ، وهي تحتوي أليافًا تسمى المحاور العصبية المغطاة بغمد واقٍ أبيض اسمه الميلانين، يعمل على حماية الخلايا العصبية وعلى نقل وتسريع النواقل العصبية بين الخلايا في الدماغ.
تساعد المادة البيضاء على التفكير بسرعة، والمشي بشكل مستقيم، وتمنع من السقوط. إذا تعرضت المادة البيضاء للتلف فإن علامات وأعراض عدة تلوح في الأفق، تشمل مشاكل في التركيز والذاكرة وحل المشاكل، والمشي البطيء، وخلل في التوازن، وتقلبات في المزاج، وصعوبة التكلم، وصعوبة أداء نشاطين أو أكثر في وقت واحد.
كيف يمكن للشاي الأخضر أن يحمي الدماغ مع التقدم في العمر؟
وفقاً لدراسة نشرت مؤخراً في مجلة Nature portfolio journal science of good أجراها باحثون من كلية الدراسات العليا للعلوم الطبية بجامعة كانازاوا اليابانية، فإن تناول ثلاثة أكواب من الشاي الأخضر يومياً يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بآفات المادة البيضاء في الدماغ لدى كبار السن الذين لا يعانون من الخرف.
شملت الدراسة عينة مؤلفة من 8766 مشاركاً من سكان المجتمع الياباني كجزء من الدراسات المستقبلية المتعلقة بالشيخوخة والخرف، تراوحت أعمارهم من 65 سنة فما فوق، لا أحد من بينهم يعاني من علامات الخرف. خضع الأفراد في الدراسة إلى التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ من أجل تقييم حجم المادة البيضاء وحجم الحصين وحجم الدماغ الكلي، ومن ثم قام المشاركون بعدها بملء استبيان حول الطعام لجمع معلومات حول وتيرة ما يشربه هؤلاء من الشاي الأخضر والقهوة يومياً.
ما هي نتائج الدراسة؟
بعد الأخذ في الحسبان مختلف العوامل مثل الجنس والعمر ومستوى التعليم والتمارين الرياضية والضغط الشرياني ومستوى الكوليسترول والتدخين، خلص الباحثون إلى ما يلي:
- الأشخاص الذين شربوا 600 مليليتر من الشاي الأخضر يومياً، كانت لديهم آفات في المادة البيضاء أقل بنسبة 3% من أولئك الذين شربوا 200 مل أو أقل.
- الذين شربوا 1500 مل من الشاي الأخضر في اليوم أظهروا انخفاضاً ملحوظاً في آفات المادة البيضاء، إذ كانت هذه الآفات أقل بنسبة 6% بالمقارنة مع المجموعة المرجعية.
- لم يجد الباحثون آثاراً كبيرة للشاي الأخضر على حجم الحصين أو حجم الدماغ الكلي.
- لم تسجل فوائد للشاي الأخضر لدى المشاركين الذين تناولوا القهوة يومياً.
- إن التأثيرات الوقائية للشاي الأخضر اقتصرت على الأفراد الذين ليس لديهم أعراض الاكتئاب أو استعداد وراثي للإصابة بمرض ألزهايمر.
إذاً، يمكن القول إن الشاي الأخضر يلعب دوراً وقائياً مهماً ضد تلف المادة البيضاء في الدماغ، وقد عزا الباحثون هذا الدور إلى مضادات الأكسدة ومضادات الالتهاب الموجودة بغزارة في الشاي الأخضر، ما يعني أن الأخير يحمي من التدهور المعرفي المرتبط بالشيخوخة.
ويجدر التذكير هنا، إلى أن آفات المادة البيضاء في الدماغ غالباً ما ترتبط بالتدهور في القدرات الادراكية والمعرفية والخرف الوعائي ومرض ألزهايمر، ويعتبر ارتفاع ضغط الدم عامل الخطر الأكثر أهمية لإصابات المادة البيضاء. وفي هذا الإطار، أفادت دراسات عديدة إلى أن تناول الشاي الأخضر بانتظام قد يقلل من مستويات ضغط الدم الانقباضي والانبساطي، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على صحة المادة البيضاء خصوصاً، وعلى صحة الدماغ بشكل عام.
بعض المآخذ على الدراسة:
- لم تتمكن الدراسة من إيجاد علاقة سببية بين استهلاك الشاي الأخضر وانخفاض إصابات المادة البيضاء في الدماغ.
- لم تذكر الدراسة كيفية تحضير الشاي، وكيفية تناوله، لوحده أو مع وجبات خفيفة.
- لم تذكر الدراسة إنْ كان البعض يشرب الشاي الأسود.
- لم تتمكن الدراسة من مقارنة تأثير الشاي الأخضر مع تأثير الشاي الأسود.
- لم يتم تقييم أثر الشاي الأخضر على آفات المادة البيضاء بالمقارنة مع مشروبات أو تدخلات غذائية أخرى.
- لم تحدد الدراسة دور العوامل الوراثية ونمط الحياة ومدى تأثيرها على فوائد الشاي الأخضر.
- لم تقيم الدراسة مدى تأثير الشاي الأخضر على تطور الخرف والتدهور المعرفي.
هل لاستهلاك الشاي الأخضر آثار جانبية؟
على الرغم من الشاي الأخضر آمن بشكل عام، فإن استهلاكه المفرط، أي أكثر من 3 إلى 4 أكواب في اليوم، يمكن أن يسبب آثاراً جانبية مثل القلق، والأرق، والدوخة، وحدوث اضطرابات في الجهاز الهضمي، والصداع، وعدم انتظام ضربات القلب.
لا ينبغي للأشخاص الذين يعانون من مشاكل في القلب أو من ارتفاع ضغط الدم أو من مشاكل في الكلى أو في المعدة، تناول الشاي الأخضر، ونفس الشيء ينطبق على الحوامل والمرضعات. أما بالنسبة لمن يتناولون الأدوية، فعليهم استشارة مقدم الرعاية الصحية لمعرفة مدى سلامة شرب الشاي الأخضر لديهم.
نصيحة من موقع صحتك
ما نفهمه من الدراسة اليابانية الواردة أعلاه أن الاستهلاك المنتظم للشاي الأخضر يلعب دوراً وقائياً رئيسياً ضد التدهور المعرفي المرتبط بالعمر، وهذا خبر رائع لكل شخص يبحث عن طريقة طبيعية للحفاظ على صحة الدماغ، ولكن مهلاً ثم مهلاً، لقد أكد المشرفون على الدراسة الجديدة أنها أجريت على السكان اليابانيين الأكبر سناً، وأن هناك حاجة إلى إجراء المزيد من البحوث المستقبلية على أعراق ومناطق مختلفة أكثر تنوعاً في العالم، للتحقق من صحة النتائج. لهذا، لا ينبغي النظر إلى الشاي وكأنه حل سحري ضد شيخوخة الدماغ، إذ يظل تناول نظام غذائي صحي ومتوازن، وممارسة الرياضة بانتظام، ومراقبة الصحة العقلية، أمورًا ضرورية للحفاظ على عقل سليم كلما توغلنا في خريف وشتاء العمر.