كشَفت دراسة حديثة نشَرتها مجلة The Lancet أن التقدُّم العالمي في برامج تطعيم الأطفال قد تَباطأ خلال السنوات الأخيرة، إذ أدَّت جائحة كوفيد-19 إلى تراجع الإنجازات التي حُقِّقت في هذا السياق وعرَّضت الأهداف التي وُضعت لبرنامج التطعيم (IA2030) لعام 2030 للخطر. حلَّلت الدراسة اتجاهات عالمية وإقليمية ووطنية لتغطية تطعيمات الأطفال بين عامَي 1980 و2023 في 204 دولة، وشَملت 11 نوعًا مختلفًا من اللقاحات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية لجميع الأطفال في العالم. فما أسباب تراجع تطعيم الأطفال عالميًا وما تأثيره على الصحة العامة؟
تراجع تطعيم الأطفال عالميًا يُنذر بتفشي أمراض مميتة
استخدَم الباحثون تقنيات النمذَجة المُطوَّرة وقواعد بيانات معزَّزة لتحليل الاتِّجاهات الطويلة المدى لتغطية اللقاحات والتراجع الذي حدَث خلال فترة جائحة كوفيد-19، بالإضافة إلى توقُّع احتمالية تحقيق أهداف برامج التطعيم لعام 2030، وتشمل هذه الأهداف:
- تقليل عدد الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة من اللقاحات إلى النصف.
- حصول 90% من الأطفال حول العالم على الجرعة الثالثة من اللقاح الثلاثي البكتيري أو لقاح الخناق والسعال الديكي والكزاز (DPT3)، والجرعة الثالثة من لقاح المكورات الرئوية (PCV3)، والجرعة الثانية من لقاح الحصبة (MCV2) بحلول عام 2023.
أظهرت النتائج أن التغطية العالمية للقاحات الأساسية تضاعفت بين عامَي 1980 و2023، بما في ذلك الجرعة الأولى والجرعة الثالثة من لقاح الخناق والسعال الديكي والكزاز (DPT1 وDPT3)، والجرعة الأولى من لقاح الحصبة (MCV1)، ولقاح شلَل الأطفال، ولقاح السّل (الدَرَن)، الذي ساهم في منع حوالي 154 مليون حالة وفاة بين الأطفال.
لكنْ تباطأَ التقدُّم في تغطية اللقاحات بين عامَي 2010 و2019 في العديد من البلدان، إذ تراجعت تغطية جرعة واحدة من اللقاحات الأساسية في 21 من أصل 36 دولة ذات دخل مرتفع، باستثناء لقاح السل الذي أُزيل من جداول التطعيم في بعض الدول. ومنذ عام 2020، تراجعت معدلات تغطية هذه اللقاحات الأساسية بشكل حاد، وما تزال معدلات التغطية العالمية لهذه اللقاحات منذ عام 2023 أقل ممّا كانت عليه قبل جائحة كورونا.
تراجع تطعيم الأطفال عالميًا يُهدِّد صحة الملايين
ارتفع عدد الأطفال غير المُطعَّمين الذين لم يتلقوا الجرعة الأولى من لقاح الخناق والسعال الديكي والكزاز (DTP1) من 14.7 مليون طفل في عام 2019 إلى 18.6 مليون في عام 2021، ثم انخفض العدد قليلًا بحلول عام 2023 إلى 15.7 مليون، لكنه ما يزال مرتفعًا. يتركَّز أكثر من نصف هؤلاء الأطفال في 8 دول، وهي: نيجيريا والهند وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا والصومال والسودان وإندونيسيا والبرازيل، وبلغت نسبة الأطفال غير المطعَّمين في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى 53% من إجمالي الأطفال غير المطعَّمين في العالم.
وفي المقابل، شهدت تغطية اللقاحات الأحدَث مثل لقاح الروتا ولقاح المكورات الرئوية (PCV3) ولقاح الحصبة (MCV2) زيادة طفيفة خلال جائحة كورونا. وتُشير التوقعات إلى أنه بحلول عام 2030، قد يُحقِّق لقاح DTP3 هدف التغطية العالمية، بينما من المتوقع ألا يبلغ لقاحَي PCV3 وMCV2 هذا الهدف.
تراجع تطعيم الأطفال عالميًا يُؤكِّد أهمية تحسين برامج اللقاحات
أشار الدكتور جوناثان موسر، الباحث الرئيسي في الدراسة من جامعة واشنطن في الولايات المتحدة، إلى أنه على الرغم من الجهود الهائلة التي بُذلت في السنوات الخمسين الماضية، ما يزال عدد كبير من الأطفال حول العالم غير ملقَّحين أو لم يتلقوا كامل الجرعات. وأضاف أن التطعيمات الروتينية للأطفال هي من أقوى التدخُّلات الصحية العامة المتاحة وأكثرها فاعلية، ولكن ساهم استمرار التفاوتات العالمية والتحدِّيات الناجمة عن جائحة كورونا وتزايد انتشار المعلومات المُضللة حول اللقاحات والتردُّد في تلقيها في تراجع تطعيم الأطفال عالميًا، ممّا زاد من خطر تفشي الأمراض التي يُمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل الحصبة وشلل الأطفال والدفتيريا (الخناق).
أكَّدت الدكتورة إميلي هاوزر، الباحثة الرئيسية في الدراسة، على ضرورة إيجاد حلول جديدة لتحسين إيصال اللقاحات وزيادة الإقبال عليها في المناطق ذات التغطية المنخفضة. وأشارت إلى أن التحدَّيات والعوائق التي تُواجه برامج التطعيم تختلف بشكل كبير بين البلدان والمجتمعات، خاصةً في ظل ارتفاع أعداد النازحين وزيادة التفاوتات بسبب النزاعات المُسلَّحة وعدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى الأزمات المناخية وانتشار المعلومات المُضللة حول اللقاحات والتردُّد في تلقيها.