في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nutrients، استكشف الباحثون كيفية ارتباط عادات الأكل لدى الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة بالحالة الغذائية لوالديهم، وكيف يمكن أن يرتبط وزن الوالدين بمشكلة سمنة الأطفال. تشير النتائج التي توصلوا إليها إلى أن الأطفال الذين يعاني والدوهم من زيادة الوزن أو السمنة يستهلكون المزيد من الكربوهيدرات، إلى جانب نتائج أخرى تسلط الضوء على أهمية تثقيف الأسرة لتحسين صحة الأطفال.
ضرورة الاهتمام بالنظام الغذائي لتجنب سمنة الأطفال
تمهد التغذية في مرحلة الطفولة المبكرة الطريق لبقية حياة الفرد، وتوصي منظمة الصحة العالمية بالرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى من حياة الطفل، يليها إدخال التغذية التكميلية مع الرضاعة الطبيعية على الأقل حتى بلوغه عامين من العمر، وذلك من أجل تعزيز الصحة والنمو والتطور الأمثل.
وخلال هذه الفترة غالباً ما تتشكل عادات الأطفال وأنماطهم الغذائية المستقبلية، ويمكن أن تؤدي أنماط الأكل غير الصحية إلى سمنة الأطفال وزيادة الوزن لديهم، والتي ازدادت على مستوى العالم في السنوات الأخيرة، مما يزيد في نهاية المطاف من خطر الإصابة بالأمراض غير السارية والسرطان.
دور الأهل في الوقاية من سمنة الأطفال
يؤثر الآباء والأمهات والأوصياء الآخرون بشكل كبير على سلوكيات تناول الطعام لدى أطفالهم، فهم لا يتخذون القرارات الرئيسية المتعلقة بنوعية الطعام وكيفية إطعامهم فحسب، بل يختارون أيضًا كيفية التعامل مع مشكلات مثل: الانتقائية، أو رفض الطعام، أو عدم الثقة بمحاولة أطعمة جديدة. وبشكل أقل مباشرة، فهم بمثابة قدوة، إذ يراقب الأطفال أنماطهم وخياراتهم الغذائية.
وتقدم الدراسات التي وجدت أن مؤشر كتلة جسم الوالدين يتنبأ بمؤشر كتلة الجسم لدى أطفالهم، وتبين أن سلوكهم الغذائي قد يكون دليلاً على ذلك. وقد وجدت أبحاث من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أن الأطفال من الأسر التي تعاني من زيادة الوزن أو السمنة هم أكثر عرضة لتفضيل الأطعمة الدهنية، وتناول الوجبات الإضافية بشكل متكرر، واستهلاك الأطعمة الخفيفة الغنية بالطاقة، وأقل عرضة للاستمتاع بالخضراوات.
دراسة العلاقة بين سمنة الأطفال والنظام الغذائي للأهل
استخدم الباحثون بيانات سبق جمعها عن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و71 شهرًا وعن أهاليهم، وتضمنت البيانات الديموغرافية معلومات عن تدخين الوالدين والتاريخ الصحي للأطفال والخصائص الاجتماعية والديموغرافية. وتم جمع طول الأطفال وأوزانهم واستخدامها لحساب مؤشر كتلة الجسم وتقييم حالتهم الغذائية.
واستُخدمت استبيانات لجمع بيانات عن سلوك الأطفال خلال الوجبات، بما في ذلك تفضيلاتهم ومهاراتهم في التغذية وامتثالهم السلوكي. وقدم الآباء أيضًا معلومات حول شعورهم تجاه إطعام أطفالهم والجوانب الأخرى لأوقات الوجبات، مثل التفاعلات الأسرية. واستُخدمت استبيانات تكرار وجبات الطعام لفهم عدد المرات التي يستهلك فيها الأطفال 99 صنفًا غذائيًا شائعًا.
ما هي نتائج الاستبيانات؟
تألف مجتمع الدراسة النهائي من 171 طفلاً يبلغ متوسط أعمارهم 4.6 سنوات، وكان 58% منهم من الذكور. صنف الباحثون 78% من هؤلاء الأطفال على أنهم يتمتعون بتغذية كافية، إلا أن 14% منهم كانوا يعانون من نقص الوزن، وكان 7% آخرون يعانون من زيادة الوزن، وكانت النسبة المتبقية البالغة 1% يعانون من السمنة. تم إرضاع ما يقرب من 65% من الأطفال رضاعة طبيعية فقط خلال الأشهر الستة الأولى أو أكثر بعد الولادة. وكان الأطفال يحصلون على 4.8 وجبات في المتوسط يوميًا.
كانت المعكرونة أكثر الأصناف الغذائية شعبية، فقد أظهر 46% من الأطفال تفضيلهم لها. وكانت الشوكولاتة والحلويات الأخرى، بما في ذلك المخبوزات، ثاني أكثر الأصناف شعبية. وكانت الخضراوات، وخاصة الخضراوات الصليبية والأسماك، من بين أكثر الأصناف التي تم رفضها. وكان 16% فقط من الأطفال ممن لم يرفضوا أي طعام.
فضّل 37% من الأطفال الماء كأكثر المشروبات المفضلة لديهم، بينما فضّل 21% منهم المشروبات التي تحتوي على الكولا، ولم يتناول 13% فقط من الأطفال المشروبات المحلاة بالسكر. وكان استهلاك عصير الفاكهة مرتفعًا بشكل ملحوظ، فقد بلغ متوسط تناول عصير الفاكهة 3.2 مرة في الأسبوع، على الرغم من التوصيات بالحد من المشروبات السكرية لدى الأطفال الصغار. وعمومًا، كان تناول البروتينات والسكر أكبر من الإرشادات والتوصيات الدولية والوطنية، فقد بلغ تناول البروتينات حوالي 3 جم/كجم، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف المستوى الموصى به.
كما وجد الباحثون أن ما يقرب من 10% من الأطفال كانوا معرّضين لخطر الإصابة بمشاكل في الأكل؛ ومن بين هذه المجموعة، كان لدى 65% من الأطفال على الأقل أحد الوالدين بدينًا أو زائد الوزن، ولكن 35% منهم كان لدى والديهم مؤشر كتلة جسم طبيعي. وهذا يشير إلى أنه على الرغم من أن حالة وزن الوالدين عامل مساهم في ذلك، فإن التأثيرات البيئية أو الوراثية الأخرى قد تلعب دورًا أيضًا.
بدأ الأطفال الذين يعانون من السمنة أو الوزن الزائد في شرب حليب البقر في وقت أبكر من أولئك الذين لم يكونوا كذلك، كما أنهم استهلكوا كمية أكبر من الدهون وكمية أقل من الكربوهيدرات. في المقابل، كان الأطفال الذين كان آباؤهم يعانون من السمنة أو زيادة الوزن يستهلكون كمية أكبر من الكربوهيدرات، ولكن كان إجمالي استهلاكهم من البروتينات أقل مقارنةً بالأطفال الذين لديهم آباء من أصحاب الوزن الطبيعي. كان لدى هؤلاء الأطفال أيضًا أوزان أعلى عند الولادة، وليس معدلات ولادة أعلى كما ذُكر سابقًا.
بالإضافة إلى ذلك، وجدت الدراسة أن الأسر التي لديها عدد أكبر من الأطفال تميل إلى تقديم حليب البقر في وقت مبكر، وتستهلك المشروبات المحلاة بالسكر قبل عمر 24 شهرًا، مما يشير إلى أن حجم الأسرة الأكبر قد يرتبط بممارسات التغذية دون المستوى الأمثل بالإضافة إلى حدوث سمنة الأطفال لديها.
ما الذي تم استنتاجه بعد بحث العلاقة بين سمنة الأطفال ومؤشر كتلة جسم الأهل؟
تُظهر هذه النتائج مدى ارتباط وزن الأطفال وحالتهم الغذائية بوزن والديهم، إذ إنه في أكثر من نصف الأطفال في هذه الدراسة كان أحد الوالدين على الأقل يعاني من السمنة أو زيادة الوزن، مما قد يكون عامل خطر لإصابة الأطفال بالسمنة في مرحلة لاحقة.
وتشير المراجعات البحثية إلى أن أطفال الآباء الذين يعانون من السمنة أو الوزن الزائد هم أكثر عرضة للإصابة بالسمنة أو زيادة الوزن بمقدار الضعف مقارنة بأطفال الآباء الذين يتمتعون بوزن صحي؛ ومن المحتمل أن تكون هذه العلاقة نتيجة لعوامل بيئية ووراثية. وبالإضافة إلى ذلك، ارتبط مؤشر كتلة الجسم لدى الأمهات ارتباطاً طردياً بكل من وزن الطفل عند الولادة ومؤشر كتلة الجسم لديه، مما يسلط الضوء على التأثيرات الوراثية المحتملة في خطر الإصابة بالسمنة.
وكانت إحدى النتائج المهمة هي ارتفاع مستويات استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر وغيرها من المنتجات السكرية، وكان هذا ملحوظًا بشكل خاص في الأسر التي لديها عدة أطفال، فقد كان التعرض المبكر للمشروبات السكرية أكثر شيوعًا. يمكن أن يدعم التثقيف الغذائي الأسر لقيامها باستبدال المواد الغذائية غير الصحية ببدائل صحية لتعزيز الوزن والنمو الصحي خلال مرحلة الطفولة المبكرة.
كلمة أخيرة
بالنظر إلى هذه النتائج، تؤكد الدراسة على أهمية استراتيجيات التدخل الشخصية، ويجب على أخصائيي الرعاية الصحية وصانعي السياسات النظر في برامج التثقيف الأسرية المستهدفة التي لا تتناول الخيارات الغذائية الفردية فحسب، بل تتناول أيضًا بيئات نمط تناول الطعام الأوسع نطاقًا في الأسرة. وينبغي أن تركز التدخلات على تحسين وعي الوالدين بالتغذية المتوازنة، وتشجيع الخيارات الغذائية الصحية للأسرة بأكملها، ومعالجة الأنماط الغذائية في مرحلة مبكرة من الحياة للحد من مخاطر السمنة في السنوات اللاحقة.



