يُعد تسمم الحمل (Preeclampsia) من أخطر مضاعفات الحمل، لأنه يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم (Hypertension) واضطرابات في وظائف الأعضاء الحيوية، ما يشكل تهديدًا خطيرًا لصحة الأم والجنين. على الرغم من التقدم الطبي، ظل التنبؤ بهذه الحالة يمثل تحديًا كبيرًا. غير أن دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Medicine كشفت عن اختبار دم جديد يمكنه التنبؤ بخطر الإصابة بتسمم الحمل المبكر بدقة تصل إلى 80%، وذلك باستخدام تقنية تحليل الحمض النووي الخالي من الخلايا (Cell-free DNA - cfDNA).
ما هو تسمم الحمل ؟
تسمم الحمل أو الانسمام الحملي هو حالة طبية تظهر عادة في الثلث الثالث من الحمل، وتتميز بارتفاع ضغط الدم ووجود مشكلات في وظائف الأعضاء مثل الكلى والكبد. ما يزال السبب الدقيق لهذه الحالة غير معروف، لكن يُعتقد أنها ترتبط بوجود خلل في تفاعل المشيمة مع الأوعية الدموية للأم.
يعتمد الأطباء عادةً على التاريخ الطبي للحامل لتحديد عوامل الخطر المحتملة، والتي تشمل:
- الحمل الأول.
- تاريخ سابق من الإصابة بتسمم الحمل.
- الإصابة بارتفاع ضغط الدم المزمن أو أمراض الكلى.
- وجود تاريخ عائلي للحالة.
لكن المشكلة تكمن في أن تسمم الحمل قد يحدث حتى في غياب أي من هذه العوامل، مما يجعل الحاجة إلى اختبار أكثر دقة أمرًا ضروريًا.
كيف يعمل الاختبار في الكشف عن تسمم الحمل ؟
يعتمد الاختبار الجديد على تحليل الحمض النووي الخالي من الخلايا، وهو فحص أجزاء من المادة الوراثية التي تفرزها المشيمة في دم الأم. في السابق، استُخدمت هذه التقنية للكشف عن اضطرابات الكروموسومات مثل متلازمة داون (Down Syndrome)، لكنها الآن تُستخدم للكشف عن خطر الإصابة بتسمم الحمل المبكر.
يقوم الاختبار بفحص البيانات الوراثية من خلال تحليل تسلسل الجينوم الكامل (Whole Genome Sequencing - WGS). ومن خلال تحليل كيفية توزيع الحمض النووي داخل نواة الخلية، يمكن الكشف عن وجود مشكلات مبكرة في المشيمة وبطانة الأوعية الدموية (Endothelial Dysfunction).
تفاصيل الدراسة والنتائج المرتبطة بالكشف عن تسمم الحمل
على مدى عامين، قام الباحثون في جامعة واشنطن للطب (UW Medicine) بالتعاون مع مركز فريد هاتش للسرطان (Fred Hutch Cancer Center) بجمع وتحليل بيانات أكثر من 1000 حالة حمل. تم جمع عينات الدم بين عامي 2017 و2023، وأظهرت نتائج الدراسة أن هذا التحليل الجديد نجح في التنبؤ بتسمم الحمل المبكر بنسبة حساسية (Sensitivity) تبلغ 80%، أي أن الاختبار تمكن من تحديد 80% من الحالات التي ستصاب بتسمم الحمل قبل حدوثه بعدة أشهر.
في مجموعة أخرى مكوّنة من 831 عينة إضافية، تم اختبار النموذج مجددًا، وحقق دقة بلغت 85% في التنبؤ بهذه الحالات، مما يؤكد فعالية هذا الاختبار كأداة تشخيصية مبكرة. كما تم اختبار النموذج في مجموعة خارجية مكونة من 141 عينة أخرى، إذ حقق دقة بلغت 84%.
أهمية هذا الفحص الجديد
تعتبر هذه الدراسة خطوة مهمة في مجال صحة الأم والجنين، إذ يمكن لهذا الاختبار أن يساعد في الكشف المبكر عن تسمم الحمل، مما يتيح للأطباء اتخاذ تدابير وقائية مثل مراقبة ضغط الدم، ووصف أدوية مثل الأسبرين، وتقديم متابعة صحية أكثر دقة للحالات المعرّضة لخطر الإصابة بالانسمام الحملي.
كما أن استخدام الخزعة السائلة (Liquid Biopsy) في الحمل، وهي تقنية تُستخدم أيضًا في أبحاث السرطان، يعزز من إمكانية الاستفادة من هذه الأداة في مجالات طبية أخرى. يخطط الباحثون لتوسيع نطاق الدراسة عن طريق جمع بيانات من آلاف الحالات الإضافية لتحسين دقة الاختبار، إضافةً إلى دمجه في الفحوصات الروتينية للحمل في المستقبل.
نهايةً، يمثل هذا الاكتشاف ثورة في مجال رعاية الحمل، لأنه يوفر أداة دقيقة للتنبؤ بتسمم الحمل قبل حدوثه بفترة طويلة، مما يمكّن الأطباء من اتخاذ تدابير وقائية لإنقاذ الأرواح. مع استمرار الأبحاث، قد يصبح هذا الاختبار جزءًا أساسيًا من الفحوصات المبكرة للحمل، مما قد يسهم في تقليل المضاعفات وتحسين نتائج الحمل للأمهات والأجنة على حد سواء.