صحــــتك

اضطراب التوحد : وجوه متعددة من الطفولة المبكرة إلى البلوغ

اضطراب التوحد : وجوه متعددة من الطفولة المبكرة إلى البلوغ
اضطراب التوحد : وجوه متعددة من الطفولة المبكرة إلى البلوغ

في وقت لا يزال فيه فهم اضطراب التوحد متأخرًا عن التقدم العلمي، تأتي مساهمات علمية مهمة من مؤسسات بحثية رائدة مثل جامعة حمد بن خليفة ومعهد قطر لبحوث الطب الحيوي، ومن باحثين متميزين مثل مها عبدالله آل ثاني، لتعيد صياغة فهمنا لهذا الاضطراب المعقد، ليس بوصفه حالة تخص الطفولة فقط، بل كطيف يمتد عبر جميع مراحل الحياة، حاملًا وجوهًا وتجارب مختلفة تستحق أن تُفهم بعمق أكبر.

  • هذا المقال من تأليف الدكتورة مها عبدالله آل ثاني، زميل باحث في معهد قطر لبحوث الطب الحيوي بجامعة جامعة حمد بن خليفة.
  • تَنشر إدارة الاتصال بجامعة حمد بن خليفة هذا المقال بالنيابة عن مؤلفته، والأفكار والآراء الواردة فيه تعبّر عنها ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للجامعة.

الوجوه المتعددة للتوحد: من الطفولة المبكرة إلى البلوغ

لا يزال اضطراب التوحد يمس حياة الملايين من الأشخاص حول العالم، ولكن الوعي العام لكيفية التعامل معه متأخرًا للغاية مقارنة بالحصيلة العلمية عنه. لعقود طويلة، كان يُنظر إلى التوحد على أنه حالة تقتصر حصرًا على مرحلة الطفولة ويجب التعامل معه في السنوات المبكرة، كما شاع الاعتقاد بأن التوحد قد يزول مع مرور الوقت، وهو تصور غير دقيق أدى إلى نتائج عميقة التأثير، أبرزها ظهور ما يُعرف باسم “الجيل المفقود” من البالغين المصابين بالتوحد الذين عاشوا حياتهم دون فهم حقيقي لأنفسهم أو حصولهم على الدعم المناسب، واضطروا في كثير من الأحيان إلى تحمل عبء نفسي داخلي يتمثل في التساؤل المستمر عن سبب شعورهم بأن الحياة أكثر تعقيدًا وصعوبة بالنسبة لهم مقارنة بالآخرين.

الأغلبية الصامتة: توحد البالغين خارج عدسة التشخيص

كشَفت دراسة حديثة لكلية كينجز كوليدج لندن عن إحصائية لافتة، حيث قَدرت أن ما بين 89 إلى 97 بالمائة من البالغين من ذوي التوحد الذين تبلغ أعمارهم 40 عامًا فأكثر في المملكة المتحدة لم يتم تشخيصهم، وهو رقم يعكس فجوة هائلة في فهم هذا الاضطراب عبر العقود السابقة.

لقد نشأ هؤلاء الأفراد في زمن كان فيه اضطراب التوحد يُختزَل في صورة نمطية ضيقة تقتصر على الأطفال الذكور الذين تظهَر عليهم أعراض واضحة، في حين تم تجاهل الأنماط الأقل وضوحًا والأكثر تعقيدًا، خصوصًا لدى النساء والفتيات، وكذلك لدى الأشخاص الذين طوّروا مهارات عالية في إخفاء اختلافاتهم والتكيف مع المجتمع بطريقة تجعل تشخيص حالتهم أكثر صعوبة.

ويمتد أثر هذا النقص في التشخيص إلى مختلف جوانب الحياة حين اضطر هؤلاء الأفراد إلى التعامل مع تحديات التعليم والعمل والرعاية الصحية دون إطار واضح يساعدهم على فهم احتياجاتهم، مما انعكس سلبًا على صحتهم النفسية والجسدية على حد سواء.

التوحد عبر مراحل الحياة: رحلة من الاحتياجات المتغيرة

لا يمكن فهم اضطراب التوحد بوصفه حالة ثابتة، لأنه يتغير في مظاهره وتأثيراته مع تقدم العمر؛ فالتوحد في سن الخامسة يختلف بشكل كبير عنه في سن المراهقة أو البلوغ أو حتى في الشيخوخة.

في مرحلة الطفولة المبكرة، قد يظهَر التوحد من خلال استجابات حسية غير معتادة أو تركيز مكثَّف على أنشطة محددة، لكن مع دخول المدرسة، تبدأ التحديات الاجتماعية بالظهور بشكل أوضح، حين يجد الطفل صعوبة في تكوين الصداقات أو فهم القواعد غير المعلَنة للتفاعل الاجتماعي، مما يجعل حتى فترات اللعب مرهِقة نفسيًا.

أما في مرحلة المراهقة، فتزداد التعقيدات. تشير الأبحاث إلى أن الفتيات من ذوات التوحد، رغم امتلاكهنّ دافعية اجتماعية مرتفعة، يواجهنَ مخاطر متزايدة للإصابة بالقلق والاكتئاب، نتيجة لمحاولتهنّ فهم أنماط تواصل اجتماعي دقيقة ومعقدة يصعب تفسيرها.

ومع الوصول إلى مرحلة البلوغ، تظهَر تحديات جديدة تتعلق بالاستقلالية والعمل والعلاقات، وهي مجالات يواجه فيها العديد من البالغين من ذوي التوحد صعوبات كبيرة، خاصة في ظل غياب الدعم المناسب. وقد أظهَرت دراسة منشورة في مجلة اضطرابات التوحد والنمو أن العمر الذي يتم فيه تشخيص حالة الفرد يلعب دورًا أكثر أهمية في تحديد جودة حياته مقارنة بعمره الزمني، حيث أشار من تم تشخيص حالتهم في وقت متأخر إلى معاناة أكبر في العلاقات الاجتماعية، ليس بسبب شدة التوحد، بل نتيجة سنوات طويلة من عدم فهم حالتهم.

تداعيات إخفاء اضطراب التوحد لدى البالغين

يُعد “الإخفاء” أو “التمويه” أحد الجوانب المركزية في تجربة العديد من البالغين المصابين باضطراب التوحد، وهو يشير إلى الجهد الواعي أو غير الواعي الذي يبذله الفرد لإخفاء سمات التوحد ومحاولة الظهور بمظهر “طبيعي” يتوافق مع توقعات المجتمع.

ورغم أن هذا السلوك قد يساعد بعض الأفراد على النجاح ظاهريًا في العمل أو العلاقات، إلا أن له تكلفة نفسية عالية، وتربط الدراسات بين التمويه المستمر وبين زيادة معدلات الإرهاق النفسي والقلق والاكتئاب، إضافة إلى شعور عميق بفقدان الهوية الحقيقية.

وعندما يحصل الفرد أخيرًا على تشخيص حالته في مرحلة البلوغ، فإن أحد أبرز التحولات التي يمر بها يتمثل في قدرته على التوقف عن هذا الإخفاء، والسماح لنفسه بأن يكون على طبيعته دون خوف من الأحكام.

فهم تأثير التشخيص المتأخر للتوحد

بالنسبة للكثيرين، يمثل التشخيص المتأخر نقطة تحول إيجابية، إذ يمنحهم تفسيرًا واضحًا لسنوات طويلة من التجارب غير المفهومة، مثل: الحساسية الحسية أو الإرهاق الاجتماعي أو الشعور الدائم بالاختلاف.

كما يفتح لهم باب الانتماء إلى مجتمع ربما يفهَم تجاربهم، ويَسمح لهم بالتوقف عن محاولة التكيف القسري مع معايير لا تناسبهم. ومع ذلك، لا يخلو هذا التشخيص من مشاعر الحزن، حين يشعر البعض بالأسف على سنوات ضاعت دون دعم، ويتذكرون الطفل الذي كان يمكن أن يُفهَم بدلاً من أن يُنتقَد، والمراهق الذي كان يمكن دعمه بدلًا من أن يتعرض للتنمر.

إعادة بناء الهوية بعد التشخيص تتطلب وقتًا، ودعمًا، وتبنياً لمنظور جديد للحياة.

الشيخوخة والتوحد: الفئة المهمشة

مع التقدم في العمر، يواجه الأشخاص من ذوي اضطراب التوحد تحديات مركّبة، حين تتداخل مشكلات الشيخوخة الطبيعية مع آثار تراكمية ناتجة عن سنوات طويلة من التمويه والإجهاد النفسي.

وقد تصبح العزلة الاجتماعية أكثر وضوحًا، خاصة مع فقدان الروابط الاجتماعية نتيجة التقاعد أو فقدان الأحبة، كما تبرز تحديات صحية إضافية، إذ تشير الدراسات إلى أن هذه الفئة قد تكون أكثر عرضة للإصابة بأمراض جسدية ونفسية متعددة، إلى جانب صعوبات في الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية التي تتطلب مهارات تَواصل وتَحمّل محفزات حسية.

كما تشير بعض الأدلة إلى زيادة الإصابة بالخرف المبكر، وهو ما يؤكد الحاجة إلى مزيد من الاهتمام البحثي والدعم لهذه الفئة.

من الوعي إلى الفهم

تتغير صورة اضطراب التوحد باستمرار، فلم يعد يُنظر إليه على أنه حالة تخص الأطفال فقط، بل أصبح يُفهم على أنه طيف واسع يشمل مختلف الأعمار والتجارب. اليوم ندرك أن التوحد قد يكون موجودًا لدى امرأة في الأربعين من عمرها تسعى لفهم سبب إرهاقها في المواقف الاجتماعية، أو لدى شخص مسن عاش حياته يشعر بالاختلاف دون تفسير، قبل أن يكتشِف أخيرًا أنه جزء من مجتمع أوسع.

وبالنسبة لما يُعرف باسم “الجيل المفقود”، فإن رحلة الفهم قد تكون متأخرة، لكنها لا تزال ممكنة، ويمكن أن تفتح الباب لتحسين جودة الحياة.

أما الأجيال القادمة، فلديها فرصة أفضل من خلال التشخيص المبكر والدعم الخالي من الوصمة، وهو ما يتطلب تبني منهج شامل يمتد عبر جميع مراحل الحياة، يشمل دعم الأبحاث طويلة الأمد، وتعزيز الرعاية الصحية المتخصصة، وتوسيع نطاق الدعم الاجتماعي.

وفي نهاية المطاف، يبقى أهم ما يمكن تقديمه للأشخاص من ذوي التوحد هو القبول، لأنه يمنحهم الحرية ليكونوا على طبيعتهم دون ضغط للتغيير، ويؤكد أن جودة الحياة لا تتحقق من خلال التشابه مع الآخرين، بل من خلال الفهم والتقدير والتقبّل.

​​​​​​​نبذة عن جامعة حمد بن خليفة: ابتكار يصنع الغد

جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، هي جامعة رائدة تركز على الابتكار وتلتزم بتطوير التعليم والبحوث لمعالجة التحديات الكبرى التي تواجه دولة قطر والعالم الخارجي، من خلال برامج أكاديمية متعددة التخصصات، وتعزيز الكفاءات البحثية، وبناء شراكات عالمية، بما يساهم في إعداد جيل من القادة القادرين على إحداث تأثير إيجابي مستدام.

نبذة عن معهد قطر لبحوث الطب الحيوي

يُعد معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، التابع لجامعة حمد بن خليفة، مركزًا بحثيًا وطنيًا رائدًا يعمل على تطوير حلول مبتكرة في مجالات الوقاية والتشخيص والعلاج، مع التركيز على الطب الشخصي وتحسين جودة الرعاية الصحية، بما يخدم المجتمع المحلي ويساهم في التقدم العلمي العالمي.

آخر تعديل بتاريخ
08 أبريل 2026
يرجى تحديد خانة الاختيار "التعليق كضيف" إذا كنت تفضل عدم تقديم اسمك وبريدك الإلكتروني.
Consultation form header image

هل تحتاج لاستشارة الطبيب

أرسل استشارتك الآن

 

  • ابحث على موقعنا عن إجابة لسؤالك، منعا للتكرار.
  • اكتب بريدك الإلكتروني الصحيح (الإجابة ستصلك عليه).
  • استوفِ المعلومات الشخصية والصحية المتعلقة بالحالة المرضية محل الاستشارة.
  • لن يتم إظهار اسمك عند نشر السؤال.

 

Age gender wrapper
Age Wrapper
الجنس
Country Wrapper

هذا الموقع محمي بواسطة reCaptcha وتنطبق عليه سياسة غوغل في الخصوصية و شروط الخدمة

This site is protected by reCAPTCHA and the GooglePrivacy Policy and Terms of Service apply.