أصبحت الألعاب الإلكترونية أو ألعاب الفيديو جزءًا لا يتجزأ من حياة العديد من الأشخاص في العصر الحديث، وتتنوع هذه الألعاب بين الترفيهية والتعليمية والاستراتيجية، وتستقطب مختلف الفئات العمرية. ولطالما كانت ألعاب الفيديو موضع جدل واسع، فبينما يراها البعض وسيلة ممتعة لقضاء الوقت وتطوير بعض المهارات، يُحذِّر البعض الآخر من تأثيراتها السلبية على الصحة الجسدية والنفسية. وفي دراسة حديثة واسعة النطاق، توصل الباحثون إلى أن ألعاب الفيديو قد تعزز القدرات الإدراكية وتجعل العقل أكثر شبابًا.
ومع ذلك، تشير دراسات أخرى إلى أن الإفراط بممارسة هذه الألعاب يمكن أن يؤدي إلى عدة مشكلات صحية مثل زيادة الوزن نتيجة قلة الحركة، والتوتر والقلق، وضعف النظر بسبب الجلوس الطويل أمام الشاشات. كما أن بعض الألعاب قد تؤثر سلبًا على سلوكيات اللاعبين، خاصة لدى الأطفال والمراهقين. لذلك، من المهم التوعية حول المخاطر المحتملة لألعاب الفيديو وتشجيع استخدامها بتوازن للاستفادة منها دون الإضرار بالصحة.
مفاجأة علمية: ألعاب الفيديو قد تعزز القدرات الإدراكية والرياضة تحسّن الصحة العقلية
وجدت دراسة واسعة النطاق أن ألعاب الفيديو قد تعزز القدرات الإدراكية وأن ممارسة الرياضة يمكن أن تسهم في تحسين الصحة النفسية، وليس العكس. وجاءت هذه النتائج المفاجئة ضمن دراسة "الدماغ والجسم" التي أجريت بالتعاون بين جامعة ويسترن في أونتاريا بكندا ومتحف العلوم والصناعة في مانشستر بالمملكة المتحدة، ضمن فعاليات مهرجان مانشستر للعلوم. وقد نُشرت نسخة أولية من الدراسة في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2024 على منصة PsyArXiv المخصصة في نشر الأبحاث الأولية في مجال علم النفس.
شارك في هذه الدراسة التي قادها عالم الأعصاب الشهير أدريان أوين من جامعة ويسترن أكثر من 2000 شخص من مختلف أنحاء العالم. وطُلب من المشاركين إكمال استبيان عن نمط حياتهم، وبعد ذلك طُلب منهم لعب ألعاب ذهنية عبر الإنترنت على منصة Creyos الرقمية التي تقيس بدقة جوانب مختلفة من الإدراك، مثل الذاكرة والانتباه والتفكير والقدرات اللفظية اللغوية.
ألعاب الفيديو قد تعزز القدرات الإدراكية.. ولكن ماذا عن الصحة العقلية؟
أظهرت نتائج الدراسة أن لعب ألعاب الفيديو كان له تأثير إيجابي على القدرات الإدراكية لدى الأشخاص الذين أنهوا جميع المهام في الألعاب، والذين بلغ عددهم حوالي 1000 شخص، ولكنها لم تظهر أي تأثير على صحتهم النفسية. وفي المقابل، أدت ممارسة الرياضة لمدة تزيد عن 150 دقيقة في الأسبوع، وفقًا لتوصيات منظمة الصحة العالمية (WHO)، إلى تحسين الصحة النفسية، ولم يكن لها أي تأثير على القدرات المعرفية.
ومن جانبه، أوضح الدكتور أوين: "ارتبط لعب ألعاب الفيديو بتحسين القدرات الإدراكية، ولكنه لم يؤثر بشكل إيجابي أو سلبي على الصحة النفسية، بينما ارتبط النشاط البدني بتحسين الصحة النفسية، ولكنه لم يؤثر بشكل إيجابي أو سلبي على القدرات الإدراكية".
ألعاب الفيديو قد تعزز القدرات الإدراكية وتجعل العقل أكثر شبابًا
كما أظهرت نتائج الدراسة أن الأشخاص الذين يلعبون ألعاب الفيديو بشكل متكرر، أي لمدة 5 ساعات أو أكثر أسبوعيًا في لعب نوع واحد من الألعاب، لديهم أداء معرفي مشابه لأداء أشخاص أصغر منهم سنًا بـنحو 13.7 سنة في المتوسط. أما الأشخاص الذين يلعبون بشكل غير متكرر، أي أقل من 5 ساعات أسبوعيًا في لعب أنواع مختلفة من الألعاب، فقد كان لديهم أداء معرفي مشابه لأداء أشخاص أصغر منهم سنًا بـنحو 5.2 سنة.
وفيما يتعلق بالصحة النفسية، كان المشاركون الذين التزموا بتوصيات منظمة الصحة العالمية بممارسة 150 دقيقة من النشاط البدني في الأسبوع أو أكثر من ذلك، أقل عرضة بنسبة 12% للإصابة بأعراض الاكتئاب وأقل عرضة بنسبة 9% للإصابة بأعراض القلق.
وأشارت البيانات إلى أن الفروقات في الصحة العقلية ما بين المشاركين في الدراسة لم تكن ناجمة بشكل أساسي عن الأشخاص الذين يعانون من مستويات شديدة من الاكتئاب أو القلق، بل إن الفرق الأكبر الذي أحدثه النشاط البدني كان لدى الأشخاص الذين يعانون من أعراض خفيفة من الاكتئاب أو القلق أو لا يعانون منها على الإطلاق.
العلاقة بين الدماغ والجسم
على الرغم من وضوح العلاقة بين الدماغ والجسم في العديد من الأمثلة اليومية، مثل تأثير غضب الجوع على القدرة على التركيز، أو تسبب التوتر في تشنج العضلات، أو تهدئة العقل من خلال التنفس المنتظم، فإن فهم كيفية تأثير الدماغ والجسم على بعضهما البعض لا يزال غامضًا.
وقد ساعد الاستبيان فريق الدراسة في تقديم نظرة أعمق حول كيفية ارتباط نمط الحياة بصحة الدماغ على المدى الطويل، وأشار الدكتور أوين إلى أن نتائج هذه الدراسة يمكن أن تساعد الجميع في اختيار الأنشطة التي تعزز الشيخوخة الإدراكية الصحية.



